محمد جواد مغنية
125
في ظلال نهج البلاغة
وهو أن لا يستأثر دون أحد بدرهم كما قال الطبري في تاريخه ج 5 على ما نقل عنه . وقد يبدو هذا الشرط غريبا للوهلة الأولى . . ولكن أراد به أن يفهم الزبير وطلحة انهما إذا بايعاه فلن يؤثرهما على أحد من المسلمين ، لأنه هو لم يؤثر نفسه ، فغيره بطريق أولى ( وانكما ممن أرادني وبايعني ) على شرط المساواة بين جميع المسلمين في الحقوق والواجبات « فما عدا مما بدا » كما قال الإمام في الخطبة 31 ( وان العامة لم تبايعني لسلطان غالب ، ولا لعرض حاضر ) . كل الناس بايعوا الإمام عن ثقة وايمان لا رهبة من قوة ، ولا رغبة في عطية . ثم احتج الإمام على طلحة والزبير بما يلي : ( فإن كنتما بايعتماني - إلى - إقرار كما به ) . لما ذا أعطيتما العهد لي والبيعة بالخلافة هل كان ذلك طوعا منكما أو كرها ، ولا فرض ثالث ، فإن كان طوعا فلا مبرر للنكث ولا دافع إلا معصية اللَّه ، ودواؤها سهل وهو التوبة وطلب العفو ( فارجعا وتوبا إلى اللَّه ) . وان كانت البيعة كرها - بزعمكما - فمن الذي أكره وضغط وبأي شيء كان الضغط وإن ادعيتما التقية في البيعة ، وانكما أسررتما غير ما أظهرتما فما هو الموجب لذلك وكيف انفردتما دون المسلمين جميعا بهذا الخوف والاتقاء ، وأنتما في مكان العزة والقوة وما كان أغناكما عن الحالين : البيعة والنكث أما كان الأجدر بكما أن تحجما عن البيعة منذ البداية . وبعد فإن بيعتي في عنقكما بظاهر القول والفعل ، ولا مقاوم لهذا الظاهر ، وهو امارة شرعية وعرفية ، وحجة بالغة دامغة لي عليكما . وبالمناسبة ان نفرا تخلفوا عن بيعة الإمام كعبد اللَّه بن عمر وابن أبي وقاص وحسان بن ثابت ، وما تعرض لهم أحد بسوء ، وقال عمار بن ياسر للإمام : لو دعوتهم إلى بيعتك . فقال له الإمام : لا حاجة لنا فيمن لا يرغب فينا . وقال الأشتر : لا حق لهم في التخلف . فقال له الإمام : دعهم يعملون برأيهم . وأذن الإمام لطلحة والزبير بالخروج من المدينة إلى مكة حين سألاه الاذن ، وهو على ريبة بما نوياه ، وقال لهما : « ما العمرة تريدان ، وانما تريدان الغدرة » . ولو شاء لحبسهما ، ولكنه لم يفعل . واذن فأين الضغط والإكراه ، والموجب للتقية . ( وقد زعمتما اني قتلت عثمان ) . دافع الإمام عن عثمان ، فيما حرّض عليه طلحة والزبير ، ولما قتل بايعا الإمام ، وقالا له : اعطنا ثمن البيعة ولاية البصرة والكوفة .